السيد محمد الصدر
249
منة المنان في الدفاع عن القرآن
أعمالهم الصالحة المنطبعة على نفوسهم ، وهي ليست كتاباً مرقوماً على وجه الحقيقة ، فكيف كان ذلك ؟ قلنا : إنَّه لابدّ من وجود إعجازٍ في السياق على أحد المحتملات ، فإن فهمنا من علّيّين المكان وعاد الضمير إليه - يعني : أنَّ علّيّين كتابٌ مرقومٌ - كان مجازاً ؛ لأنَّ المكان ليس كتاباً . وهذا هو الفهم المشهور مع إشكاله . وإن فهمنا من علّيّين الساكنين وعاد الضمير إليهم ، كان مجازاً أيضاً ، كما هو واضحٌ ؛ إذ يُراد بها الكتابة التكوينيّة بالخلقة . وإن فهمنا من كتاب الأبرار كتاب أعمالهم - أي : الكتاب المرقوم ، وهذا أوضح المعاني في السياق - قلنا : هذا مجازٌ ؛ لأنَّه ليس كتاباً مادّيّاً بطبيعة الحال . كما أنَّ لوجوده في علّيّين كأنَّه سعادةٌ للأبرار ، مع أنَّ سائر الكتب لا تتّصف بذلك . وإن فهمنا من كتاب الأبرار أعمال الأبرار ، وهي الكتاب المرقوم ، فأيضاً هو مجازٌ ؛ إذ يُراد به الكتاب التكويني الذي فعله الأبرار باختيارهم لطاعة الله سبحانه . * * * * قوله تعالى : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ : قال الراغب : الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة ، إمّا بالبصر أو بالبصيرة « 1 » . وتكلّم عنه طويلًا ؛ إذ وردت هذه المادّة في القرآن بمختلف الصيغ كثيراً . والرباعي ( المزيد ) منه على أشكالٍ : منها : شاهدٌ ، وهو بمعنى شهد ، أي : رأى ، وهو مثله لازمٌ . ومنها : أشهد وشهد ، وهو متعيّنٌ في بيان المشاهدة
--> ( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 274 - 276 ، مادّة ( شهد ) .